الشيخ محمد علي طه الدرة

486

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ أي : المعجزات وآيات القرآن ، إن كان الخطاب للمؤمنين ، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين ؛ ف الْبَيِّناتُ ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والتّعريف به ، وبرسالته . وفي الآية دليل على أنّ عقوبة العالم بالذّنب أعظم من عقوبة الجاهل به . فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ : قوي في نقمته ممّن خالفه ، لا يعجزه شيء . حَكِيمٌ : لا يفعل إلا ما فيه حكمة ، أو لا ينتقم إلا بحق . والحكيم : ذو الإصابة في الأمور كلها . وفي الآية وعيد ، وتهديد لمن في قلبه شكّ ، ونفاق ، أو عنده شبهة في الدّين . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 129 ] . تنبيه : روي : أنّ أعرابيّا سمع قارئا يقرأ : فاعلموا أن اللّه غفور رحيم ، فأنكره ، ولم يكن يقرأ القرآن ، وقال : إن كان هذا كلام اللّه ، فلا يقول كذا الحكيم ، لا يذكر الغفران عند الزّلل ؛ لأنه إغراء به . ومثله روي : أن قارئا قرأ قوله تعالى في سورة المائدة : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قرأ : فإنك أنت الغفور الرحيم ، فأنكره آخر ، ولم يكن يقرأ القرآن أيضا ، وقال : هذا لا يناسب من يقدر على التّعذيب ، والمغفرة . الإعراب : فَإِنْ : الفاء : حرف استئناف . ( إن ) : حرف شرط جازم . زَلَلْتُمْ : فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط ، والتاء فاعله ، والجملة الفعلية لا محل لها ؛ لأنها ابتدائية ، ويقال : لأنها جملة شرط غير ظرفي . مِنْ بَعْدِ : متعلقان بالفعل قبلهما . ما : مصدرية . جاءَتْكُمُ : فعل ماض . والتاء للتأنيث ، والكاف مفعول به . الْبَيِّناتُ : فاعله ، و ما المصدرية ، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بَعْدِ إليه ، من بعد مجيء البينات لكم . هذا ؛ واعتبار ما موصولة ، أو موصوفة ، يحوج إلى تقدير عائد ، أو رابط ، التقدير : من بعد الّذي ، أو شيء جاءتكم البينات به . وهذا تكلف لا حاجة له ، وهو ضعيف معنى . فَاعْلَمُوا : الفاء : واقعة في جواب الشرط ، وجملة : ( اعلموا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) في محل جزم جواب الشرط ، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [ 201 ] . و أَنَّ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 210 ] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 210 ) الشرح : هَلْ : حرف استفهام معناه النفي مفيد للتّوبيخ ؛ أي : لا ينبغي لهم إلا انتظار إتيان العذاب . يَنْظُرُونَ أي : ينتظر التّاركون الدّخول في السلم ، والمتّبعون خطوات الشيطان .